النويري
60
نهاية الأرب في فنون الأدب
عليه وسلم : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ليقم كل من كان له عند اللَّه يد فلا يقوم إلا من عفا عن أخيه المسلم » ، فقال : آللَّه [ 1 ] أبى حدّثك ؟ فقلت : آللَّه إن أباك حدّثنى عن جدّك عن ابن عباس عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ؛ فقال أبو جعفر : صدق ، حدّثنى أبى عن جدّى عن ابن عباس بهذا ؛ [ فقال [ 2 ] ] : يا غلام خلّ له السبيل ، وأمر له بجائزة وولَّانى قضاء البصرة . وقيل : أتى المأمون برجل يريد أن يقتله وعلىّ بن موسى الرّضا جالس ، فقال ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : أقول : إن اللَّه تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزّا ؛ فعفا عنه . وكان المأمون مؤثرا للعفو كأنّه غريزة له ؛ وهو الذي يقول : لقد حبّب إلىّ العفو حتى إني أظنّ أنى لا أثاب عليه . وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب ، فقال له المأمون : أنت الذي فعلت كذا وكذا ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أنا الذي أسرف على نفسه واتكل على عفوك ؛ فعفا عنه . قال : ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدىّ أمر بإدخاله عليه ، فلما مثل بين يديه قال : ولىّ الثّأر محكَّم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، والقدرة تذهب الحفيظة ، ومن مدّ له الاعتذار في الأمل هجمت به الأناة على التلف ، وقد جعل اللَّه كلّ ذنب دون عفوك ، فإن صفحت فبكرمك ، وإن أخذت فبحقّك ؛ قال المأمون : إني شاورت أبا إسحاق والعبّاس في قتلك فأشارا علىّ به ؛ قال : أمّا أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك ولما جرت عليه السياسة فقد فعلا ، ولكن أبيت أن تستجلب [ 3 ] النصر إلا من حيث عوّدك اللَّه ، ثم استعبر باكيا ؛ فقال له المأمون :
--> [ 1 ] في حاشية الأمير على المغنى : ( ج 1 ص 18 طبع مصر ) : أن من معاني الهمزة القسم مثل « آللَّه لأفعلنّ » نظرا إلى أنها الهاء المبدلة من التاء . [ 2 ] زيادة يقتضيها السياق . [ 3 ] كذا في عيون الأخبار ص 100 طبع دار الكتب المصرية . وفى الأصل : « أبيت أن لا تستجلب من حيث الخ » .